حيدر حب الله
754
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
إلى غير ذلك من الروايات ، لكن الأهم من بين الجميع كان - وما زال - خبر هشام الأوّل . ومن الطبيعي أنه كانت لديهم أدلّة أخرى للبرهنة على هذه القاعدة ، إلا أنها ظلّت دوما في الدرجة التالية للنصوص ، فقد استدلوا بالإجماع المنقول وبالشهرة العظيمة ، واستدلّوا بالعقل أيضا ، كما ناقشوا هذه الأدلّة « 1 » . الاتجاهات الشيعية في تحليل المستند النصي لنزعة التسامح تلقى العلماء الشيعة هذه النصوص باهتمام في الحقبة المتأخرة ، وأعملوا فيها التفكيك والتجزئة ، فخرجوا بتصوّرات عدة محتملة لتفسيرها وصفت بالكثيرة « 2 » ، نوجز أبرزها : الاحتمال الأوّل : أن تكون هذه الروايات هادفة لتأسيس استحباب حقيقي متفرّع على بلوغ الثواب ، فعند ما يبلغك ثواب على عمل ، كأن تأتيك رواية تقول لك : إذا قلت : سبحان اللّه ألف مرّة كان لك كذا وكذا في الجنة ، ويصلك خبره ، فإن رواية هشام بن سالم تؤسّس لك استحبابا حقيقيا لقول : سبحان اللّه ، لكن هذا الاستحباب لا يأتي إلا عقب وصول خبر الثواب إليك ، فقبل وصوله لا يكون قول : سبحان اللّه ، مستحبا مثلا ، إلا أنه بعد وصول الرواية التي تحكي عن استحباب فيه ، يغدو مستحبا ، وهذا التفسير من أكثر التفاسير انحيازا لصالح التسامح بعد التفسير الثالث الآتي ، وهو تفسير بعض الذين يؤمنون بالقاعدة المذكورة ، ولهذا فهم لا يبحثون في الأسانيد ولا في تقويم المتون ، بل يفتون في رسائلهم العملية وفتاويهم بما يطابق الروايات ، وكأن تلك النصوص قد صحّت سندا ومتنا معا ، فيتعاملون معها تعاملهم مع الصحيح تماما . الاحتمال الثاني : أن تكون هذه الروايات ، مثل خبر هشام ، مجرّد وعد من اللّه سبحانه لمصلحة يراها في وعده للناس بإثابتهم ، مثل أن يحثهم على الاحتياط أو الرغبة الدائمة في تحصيل الثواب ، أو حسّ فعل الخير الدائم أو غير ذلك ، إذا ، فلا يوجد استحباب حقيقي ، بل مجرّد وعد إلهي وكرم رباني بإعطاء الثواب لمن يقدم على العمل وفق رواية بلغته ، لمصلحة يعرفها الرب سبحانه وتعالى . الاحتمال الثالث : أن لا تكون هذه الروايات كذلك ، بل تريد أن تقول : كل رواية
--> ( 1 ) - انظر : الطباطبائي ، مفاتيح الأصول : 346 - 348 ؛ والنجفي ، جواهر الكلام 1 : 26 ؛ والأنصاري ، رسائل فقهية : 138 ؛ وقد استدلّ الأصفهاني بحسن الاحتياط أيضا ، فراجع له : الفصول الغروية : 305 ، والآشتياني ، بحر الفوائد 2 : 66 ، والشيرازي ، أنوار الأصول 3 : 91 ، 93 . ( 2 ) - العراقي ، نهاية الأفكار 3 : 277 .